للعراق الجديد، يجب ان نقدم ثقافة جديدة.
هذا ما اتفقنا عليه في الحلقات الماضية من هذه القراءة.
وقلنا بان من الثقافات التي يحتاجها العراق الجديد، هي؛
اولا: ثقافة الحياة
ثانيا: ثقافة التعايش
ثالثا: ثقافة المعرفة
رابعا: ثقافة الحوار
خامسا: ثقافة الجرأة
سادسا: ثقافة الحب
سابعا: ثقافة النقد
ثامنا: ثقافة الحقوق
تاسعا: ثقافة الشورى
والشورى، بمعنى آخر، تعني الشراكة والمشاركة، فعندما يستشير المرء صاحبه في امر ما، انما يشاركه عقله ورايه ورؤيته وفي احيان كثيرة تجربته، فيكون شريكه في النتيجة، حسنة كانت ام سيئة، والى هذا المعنى يشير امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام بقوله {من شاور الرجال، شاركهم في عقولهم}.
فلماذا نستشير؟ ومن نستشير؟ وكيف؟ ومتى؟.
وقبل ذلك، اسمحوا لي ان ابين الملاحظات الجوهرية التالية:
اولا؛ يتصور البعض بانه اذا سأل زميله واستشاره في امر ما، فان ذلك دليل ضعف عقله او قلة فهمه، ولذلك، فالاستشارة عند هذا النوع من الناس، عيب لا ينبغي ممارسته، وانها مثلبة ومنقصة في شخصية المستشير، وكل هذا خطا في خطا، وان العكس هو الصحيح، فالاستشارة دليل:
الف: احترام العقل.
باء: احترام التجربة والخبرة.
جيم: احترام رجاحة عقول الاخرين.
دال: احترام الجهد والوقت الذي سيصرفه المرء على العمل الذي ينوي انجازه.
هاء: الاستعداد النفسي والذهني لتعلم اسباب النجاح من الاخرين، وذلك هو اعظم ما ينفع المرء في حياته، اذا استشار.
ولكل ذلك، امر (بضم الالف وكسر الميم وفتح الراء) رسول الله (ص) بالاستشارة، وذلك في قول الله عز وجل في محكم كتابه {وشاورهم في الامر} كما اعتبر القران الكريم الاستشارة احدى اهم صفات المؤمنين، وذلك في قول الله عز وجل {والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} كما ان امير المؤمنين عليه السلام حض الناس على المشورة في اول خطاب له بقوله عليه السلام {ايها الناس، وفي النداء اشارة الى ان المقصود في الخطاب ليس المسلمين فقط وانما كل رعايا الدولة الاسلامية، اي كل المواطنين بغض النظر عن دينهم او موقفهم السياسي من الحاكم) ان لي عليكم حقا، ولكم علي حق، فاما حقكم علي فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتاديبكم كيما تعلموا، واما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والاجابة حين ادعوكم، والطاعة حين آمركم}.
ولقد اوصى امير المؤمنين عليه السلام الناس بان يسالوا عما يجهلونه، فليس في السؤال عيب ابدا، يقول عليه السلام {ولا يستحين احد اذا لم يعلم الشئ ان يتعلمه}.
كما ان تاريخ العظماء والمصلحين يتحدث كثيرا عن اهتمامهم بالمشورة، وان من ابرز مصاديق الديمقراطية الحديثة، هو مجالس الشورى التي تتاسس بصور شتى، فضلا عما يتخذه الزعيم او القائد من لجان المشورة والمجموعات التي يعمد الى استشارتها في كل صغيرة وكبيرة تهم الشان العام، حتى قيل {قل لي من هم مستشاروك، اقل لك من انت} لشدة تاثير المشورة في تحديد المسارات العامة لهذا الزعيم او ذاك الرئيس.
لقد شكل المرجع الديني الكبير الميرزا الشيخ محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين الاسلامية التحررية في العراق عام (1920) مجلسا للشورى من (70) عنصرا ضم العلماء والفقهاء والمثقفين واصحاب الرأي، يمثلون مختلف شرائح وطبقات المجتمع العراقي آنئذ، لدراسة خطط الثورة واساليبها، فلم يكن ليقطع بامر قبل ان يرجع الى المجلس ويستشيره في الامور، ويناقش معه المستجدات والتطورات، ولذلك حقق العراقيون اقصى ما يمكن تحقيقه من الثورة، في ظل ظروف دولية معقدة.
ان كل ذلك، وغيره الكثير، يؤكد بان المشورة من عمل العقلاء وليس من عمل الجاهلين، وهي فعل حسن ومحمود ومطلوب في كل الاوقات، ولو لم تكن كذلك، لما لجا اليه الرسل والانبياء والعظماء والمصلحون، ولما اتخذته الديمقراطية الحديثة وسيلة لتحقيق ذاتها.
اذن، فالعاقل هو الذي يستشير، اما غيره فيستبد برايه ولا يفكر بالاستشارة ابدا، واكثر من هذا، فالعاقل هو الذي يوصي اصحابه واصدقاءه ومحبيه وزملاءه بان لا يبخلوا عليه براي او مشورة ابدا، ولقد كان علي بن ابي طالب عليه السلام يوصي اصحابه في ذلك بقوله {فلا تكفوا عن مقالة بحق، او مشورة بعدل} وهو القائل عليه السلام {لا مظاهرة اوثق من المشاورة} فبالمشاورة يكتشف المرء صحة رايه من خطئه، والى هذا المعنى اشار امير المؤمنين عليه السلام بقوله {من استقبل وجوه الاراء عرف مواقع الخطأ}.
هنالك نوع آخر من الناس، يستنكف ان يستشير لانه معجب بنفسه، فيظن بانه اعلم الموجودين وانه فهامة زمانه وانه علامة عصره، فلماذا، اذن، يستشير الاخرين؟ او ليس ان من يستشير غيره يشعر بالنقص ليلجا الى غيره؟ فاذا كنت عالما كامل العقل والدراية، فلماذا علي ان استشير؟ ناسيا او متناسيا بانه ليس بيننا اليوم من هو كامل العلم والمعرفة والعقل فلا يحتاج الى راي الاخرين وعقلهم وخبرتهم وتجربتهم، ناهيك عن انه حتى الذي خلقه الله تعالى كامل العقل انما أمر بالاستشارة، كما اسلفنا قبل قليل.
ان من اخطر اعداء المرء، اعجابه بنفسه، لان ذلك يحول بينه وبين النمو والتطور وزيادة المعرفة، ولذلك قال الامام علي بن ابي طالب عليه اليلام {الاعجاب يمنع الازدياد}.
وتزداد مشكلة هذا النوع من الناس وتتعقد عندما يسمع الاخرين يمدحونه في كل ما يقوله ويفعله، وفيهم من فيهم، فيظن انه الاستثناء في هذا الزمن، بل انه خلق لغير زمانه، فهو سابق له.
ان مشكلة امثال هؤلاء الناس انهم ممتحنون بانفسهم، ومفتونون بمديح الاخرين لهم، عندما يظنون بانهم عالمون وكاملون وفاهمون، ولقد شخص علي بن ابي طالب عليه السلام مرض هذا النوع من الناس بقوله {رب مفتون بحسن القول فيه} فيما اوصى عليه السلام الاشتر النخعي عندما ولاه مصر في عهده الشهير، بالاقلاع عن هذه الصفة المذمومة، بقوله{واياك والاعجاب بنفسك، والثقة بما يعجبك منها، وحب الاطراء، فان ذلك من اوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من احسان المحسنين}.
ان من نعم الله تعالى على عبده، انه يبدي استعدادا منقطع النظير ليتعلم من الاخرين باستشارتهم، فلا يستنكف السؤال ولا يتردد في الاستشارة، كما ان من نعم الله تعالى على عبده العالم ان لا يكتم علمه فيعلمه الاخرين، ويشير عليهم اذا استشاروه، فلا يكن انانيا لا يحب الخير الا لنفسه، ولا يرد ان يرى الاخرين يتطورون ويتقدمون مثله، فاذا اكتملت ملكة السؤال والاستشارة عند الذي يحتاجها مع ملكة العلم والمعرفة والاستعداد لتقديم المشورة عند من يمتلكها، تكاملت المعادلة، وعمت ثقافة الاستشارة، والى ذلك نبه امير المؤمنين عليه السلام بقوله الى جابر بن عبد الله الانصاري، بقوله {يا جابر، قوام الدين والدنيا باربعة، عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف ان يتعلم، وجواد لا يبخل بمعروفه (والعلم ورجاحة العقل والخبرة والتجربة معروفا كما هو معلوم) وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فاذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل ان يتعلم، واذا بخل الغني بمعروفه، باع الفقير آخرته بدنياه} انظر الى دقة المعادلة التي رسم معالمها سيد البلغاء في هذا النص، لنعرف كيف يمكننا ان نصوغها على ارض الواقع.
ثانيا؛ عندما يستشير المرء احدا ما، فانما يشاركه خططه، فاذا نجحت نجح الاثنان، ما يزيد من الثقة بينهما ويعزز التعاون وتبادل الخبرة بينهما، اما اذا اصيب المرء بالفشل، فسيتقاسم الاثنان اعباءه، ما يكون عزاءا لهما، فيقلل من الملامة، ويهون من وقع الاثر السلبي، وهذا شئ مهم جدا في حياتنا، فالناس عادة يحبون من يخفف عليهم وقع الصدمات، ولا يكن ذلك الا اذا كان المصاب قد استشار، فسيعذره الاخرون ويشاركونه الصدمة، ولو كان غير ذلك للامه الجميع، وحملوه المسؤولية لوحده دون غيره، قائلين له (هذا جزاء من لا يستشر الاخرين، فالذنب ذنبك، وانت وحدك تتحمل المسؤولية) وتلك هي النتيجة الطبيعية للاستبداد او على الاقل لمن لا يستشير اي لمن لا يشارك الاخرين آراءهم، ولذلك قال امير المؤمنين عليه السلام {من استبد برايه هلك}.
نعود الى الاسئلة التي صدرنا بها المقال، لنجيب عليها بما يلي:
اولا: لان الشورى شراكة، في الراي والعقل والتجربة، لذلك يجب ان نحولها الى ثقافة عامة في مجتمعنا، فلا تقتصر الشورى في مجلس النواب مثلا او في الحكومة او في المدرسة، ابدا، وانما يجب ان تتحول الى ثقافة عامة عند كل العراقيين، فنتعلم ان لا نقطع بامر، حتى اذا كان شخصيا، الا بعد مشورة، فليستشر الاب ابنه والابن اباه والام بنتها والبنت امها، وليستشر الجار جاره، والفلاح زميله والصانع صنوه والطالب زملاءه، وهكذا، ولتكن المشورة بالنسبة لنا كالزاد لاحدنا لا يستغني عنه ابدا، وبذلك سنخلق من العقل والتجربة والخبرة امرا مشاعا يستفيد منه الجميع، فلا تقتصر منافع العقل المتميز على صاحبه، ولا تنحصر منافع التجربة الناجحة على من مارسها وحققها، بل ليكن العقل المتميز والتجربة الرائدة والراي السديد، ملكا للجميع، يستفاد منه كل من يريد ان ينهل منه لغرض طيب ونزيه، وهدف صالح ينتفع به وينفع به الاخرين، وبهذه الطريقة سينهض كل المجتمع.
لتتحول الشورى الى ثقافة عامة، لا يستغني عنها احد، ولنعلم اطفالنا ثقافة الاستشارة قبل ان يقرروا، ولنستشيرهم ونشير عليهم، فبالشورى تقل اخطاءنا وبها نحد من اخفاقاتنا وعليها يمكن ان نعول في تحقيق نجاحاتنا.
لنتعلم ان نستشير في كل آن، وفي كل شئ، فاذا لم يكن في الاستشارة خير او مصلحة، فبالتاكيد ليس فيها مضرة ابدا، فهي خير لا شر فيه، واذ تصور احد بان للاستشارة ثمن، فان ثمن الاستبداد او عدم الاستشارة اكبر واخطر بكثير، ولكل واحد منا تجربة في هذا الصدد، بلا شك.
يجب ان لا نلجا الى الاستشارة، في الوقت الضائع، ما قبل الفشل، لنعلقه على هذا وذاك، بل يجب ان ندقق في توقيتها لتاتي نافعة ومثمرة وفاعلة.
لنحول العراق كله الى مدرسة في الاستشارة، لنقضي على ظاهرة الاستبداد بالراي، والتي خلفتها لنا عهود الاستبداد والديكتاتورية ونظام الحزب الواحد والزعيم الاوحد.
لنكثر من البرامج الحوارية وحلقات النقاش في كل مكان، في الاذاعة والتلفزيون والمدرسة والجامعة والمصنع والسوق والنادي والشارع والمؤسسة، وفي كل مكان.
ومن اجل ان نحول الشورى الى ثقافة عامة في المجتمع، علينا ان نبحث دائما عن طرق واساليب تحقيقها، مثل مراكز الدراسات والبحوث والمؤسسات التي تهتم بعمليات الاستفتاء العام من خلال علينات معينة، لنكن دائما على دراية بالاتجاه العام للشارع العراقي.
استغرب من البعض عندما يقول بان (الناس) يريدون كذا وكذا، وعندما تساله عن مصدر معرفته يقول لك بانه التقى بهم او سمع منهم، وهو لم يلتق الا بعدد محدود منهم، ولم يسمع الا من عدد لا يتجاوز اصابع اليد، فكيف عرف بان (الناس) يريدون ذلك، وهم بالملايين؟.
علينا ان نكون قريبين من الناس لنستطلع آراءهم في كل قضية عامة، سياسية كانت ام اجتماعية ام ثقافية، لنشاركهم عقولهم وافكارهم وآراءهم، كما يلزمنا ان نشيع ثقافة الانتخابات في قضايانا العامة، فنقلل من طريقة التعيين والتنصيب، ولا اقصد بثقافة الانتخابات على الصعيد السياسي فحسب وانما في كل المؤسسات، ليشعر الناس بانهم مشاركون حقيقيون، وليس صوريون، فيما يخصهم، وان من يترأس عليهم جاء بارادتهم ولم يفرض عليهم، فيتحملون المسؤولية بشكل تضامني، وليس تعسفي.
كذلك، يجب ان يكون للحكومة، على وجه التحديد، طرق مختلفة للاصغاء الى الراي العام، كالاعلام مثلا، الذي يجب ان يكون السلطة الاولى في العراق الجديد، او من خلال ما يكتبه المثقفون وما يقوله المفكرون في محاضراتهم وخطاباتهم، فان فيها الشئ الكثير من الافكار والاراء التي يمكن ان يجد فيها المعنيون رؤى للكثير من مختلف القضايا.
ثانيا: يلزم ان ندقق في صفات المستشار فلا نستشر كل من هب ودب، بل لا بد ان يتميز المستشار بالصفات التالية:
الف؛ الامانة.
ثانيا؛ الخبرة.
ثالثا؛ الاختصاص.
فالخائن لا يستشار، والاذاعة (وهو الذي يذيع اسرار الاخرين) لا يستشار، كما ان عديم الخبرة لا يستشار ايضا، بالاضافة الى ان نوعية المستشار، اختصاصه، يجب ان تتطابق مع نوعية مادة الشورى، فاذا كنت مريضا واردت ان تستشير احدا في الامر فعليك بالطبيب لتستشيره وليس المهندس، واذا اردت ان تستصلح ارضك لتزرعها فعليك بالمهندس الزراعي لتستشيره، وليس مهندس السيارات او الفنان او الصحفي، واذا اردت ان تختار احد من بين عدد من المرشحين في انتخابات ما ليمثلك في البرلمان مثلا او في مجلس المحافظة فعليك ان تستشير ذوي الخبرة والاختصاص والمعرفة والباع الطويل في علم الرجال وشؤون السياسة، واذا اردت ان تستشير من يرشدك في اختيار الجامعة او المادة التي تريد ان تدرسها وتتخصص بها، فعليك بالخبير، وهكذا، فالمشورة يجب ان تكون من المختص فيما تريد الاستشارة عنه، حتى لا تكون الاستشارة عبثية وغير مدروسة، والا فستعطي، بكل تاكيد نتائج عكسية، واحيانا مدمرة.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، فان علينا ان نحفظ للمستشار خبرته، من خلال تجاربنا الخاصة، اذ كلما جاءت استشارة احدهم ناجحة وصحيحة يلزمنا ان نضيف على اعتباره عندنا اعتبارا جديدا، ليكون بمرور الزمن مستشارنا المفضل، نعود اليه كلما اردنا مشورة، ولذلك فان المستشار لا يعين بوقت محدد وانما يظل هو المستشار لا زالت مشورته صحيحة ونافعة، بغض النظر عن اي شئ.
ونمتحنه لنتاكد من ارجحية عقله، والى هذا المعنى اشار الامام امير المؤمنين عليه السلام بقوله {اخبر (بضم الباء) تقله (بسكون القاف)}.يتبع